الشيخ محمد علي الأنصاري

169

الموسوعة الفقهية الميسرة

النفس على الغير في تحصيل العلم ، كما إذا كان محلّ الدرس لا يسع كثيرا ، فيجوز للإنسان أن يسبق غيره إليه ولا قبح فيه إن لم يكن فيه رجحان . 2 - إيثار النفس على الغير في غير العبادات : الأصل الأوّلي يقتضي عدم رجحان إيثار النفس على الغير في غير العبادات ، ولو بمعناها الأعمّ ، ويعدّ مذموما عند علماء الأخلاق ، فإذا كان من معه جائعا ، لكن لا بالحدّ الذي يستلزم حرجا أو ضررا في النفس أو ما دونه ، فاستأثر بالطعام وقدّم نفسه على غيره عدّ ذلك قبيحا ومستهجنا ، ويزداد هذا القبح والاستهجان حتّى يصل إلى الحرمة ، وذلك فيما إذا كان عدم إطعامه مستلزما للحرج أو الضرر الشديدين على الغير ، أو هلاكه . هذا إذا لم يكن هو جائعا بذلك الحدّ أيضا ، وإلّا فيستأثر نفسه على غيره . وللفقهاء كلام في جواز الإيثار لو دار الأمر بين إنقاذ نفسه بأكل طعامه أو إنقاذ غيره وإن أدّى إلى هلاك نفسه ، تعرّضوا له في بحث الاضطرار في كتاب الأطعمة ، وقد ذكرناه في عنوان « اضطرار » ، فراجع . ثانيا - حكم إيثار الغير على النفس : يختلف حكمه باختلاف موارده ، فقد يستحبّ ، وقد يجب ، وقد يحرم ، لكنّ الأصل الأوّلي فيه هو الجواز ، وإنّما يعرضه حكم آخر لعنوان طارئ . 1 - الإيثار الواجب : يجب إيثار الغير على النفس إذا توقّف عليه إنقاذ النفس المحترمة ، فإذا رأى إنسانا مسلما مشرفا على الهلاك لشدّة العطش ومعه ماء قليل ، فيجب بذله له وإنقاذه من الهلاك ، إذا كان قادرا على إدامة حياة نفسه بأن يعلم أنّه سيصل عن قريب إلى الماء ، وأمّا لو كانت حياته أيضا مهدّدة فتأتي فيه المسألة المتقدّمة التي أشرنا إليها قبل قليل . 2 - الإيثار المحرّم : وذلك كما إذا فرضنا في المسألة السابقة أنّ المشرف على الهلاك غير معصوم ، بل هو مهدور الدم كالكافر الحربي ، وكان هو - صاحب الماء - مشرفا على الهلاك أيضا ، فالواجب عليه الاحتفاظ بالماء لنفسه وإنقاذها من الهلاك ، ويحرم إيثار الحربي على نفسه . وقد تقدّم الكلام عن هذا وسابقه في عنوان « اضطرار » و « إنقاذ » . وربّما نذكر بعض الأمثلة الأخرى للإيثار المحرّم عن قريب ، إن شاء اللّه تعالى . 3 - الإيثار المندوب : وردت نصوص عديدة كتابا وسنّة تدلّ على رجحان إيثار الغير على النفس ، من قبيل :